الرئيسية / أهم الأخبار / جزيرة كريت، إقريطش، اليونانية

جزيرة كريت، إقريطش، اليونانية

بقلم: دينا سليم حنحن – بريزبن

السّماء، غطاء البشرية، ووعودها، أن تعدك السّماء بالبقاء على قيد الحياة، عليك أن تنجز لتصبح أهلا للوعد!

من بحث عن السّماء، بحث عن إرث يورثه للآخرين، على شيء خالد يتركه، المعرفة، وطالما أن الإنسان يتوق إلى المعرفة فلن يقصر بحثه على الكتب السماوية فقط.

قادتني خطواتي إلى جزيرة كريت، وإذ بي هناك أصدم بصورة كائن بشري هزيل ومسنّ، انتشرت في ربوع هرقليون العاصمة، نُقِش وجهه على العملة ذات العشرة يورو أيضا، كاتب ورحالة، رجل مسافر وصادق، كتبَ عن الغلال، والرعاة، والفتيات الفلاحات، ووصف عرائش الدّوالي، ورقصة زوربا، وخصّ في كتاباته نساءه اللواتي دخلن حيّز تفكيره وحياته.

وطئتُ أرض الجزيرة التي تبلغ مساحتها 8336 كم مربعا، ويصل ارتفاعها إلى 2456مترا، أرض مزروعة بالذكريات، كتب عنها كزانتزاكيس عندما كانت في عهدة الامبراطورية التركية، كتب عن الحرب الضروس التي حصلت بين الأتراك واليونانيين، عن الفقراء، والمهمشين، والجياع، والجاهلين، انتقد العاطلين عن المعرفة والعمل قائلا، إنهم زيادة على العالم!

دخلتُ متحف فارفاري ميرتيا في هركليون، وبدأت أنبش عن معلومات بين المعروضات والمخطوطات، وعن تفاصيل الرحلة التي قام بها إلى فلسطين وجزيرة سيناء، المكان ذاته الذي أتيتُ منه، والمفارقة الكبرى هي أنه غادر الحياة عندما ولدتُ، في السنة ذاتها، جمعتنا سماء واحدة، وعشنا معا تحت قبتها عدة شهور، في محيط البحر المتوسط، صدفة كانت، عندما بلغتُ ستة شهور شيّعَ العالم عجوزًا عملاقًا أثّر على تفكيري كثيرا، ربما أكون قد تخطيت حدود اللياقة في المقارنة، لكن لي أسبابي، لأنني عندما أمسكتُ بأول كتاب له، شعرتُ بإحساس غريب، وهو أنني عشت معه المسافات، والظروف، والأحاسيس، والعواطف ذاتها، لقد شطحتُ معه في خطواته هناك في فلسطين، وفي مسقط رأسه في كريت.

اقتربتُ من بوابة خان، دخلتُ المقبرة وبحثتُ عن القبر، لم أجده داخلها، دفن كزنتزاكيس على جدار ملاصق للسور في المدينة، لأن الكنيسة في تلك الفترة، رفضت دفنه داخل المقبرة الرئيسة،  كان أوصى أن يكتب على قبره باللغة اليونانية، اقتباسا من تعاليم هندية “ لا آمل في شيء، لا أخشى شيئا، أنا حر”.   

بحثتُ عن كتابهِ “ رحلة إلى فلسطين “ ترجم إلى العربية سنة 1990، حتى أتطلع إلى الأماكن التي تركت انطباعا داخله، كتب عن الخليل والجليل:” في الخليل، مدينة إبراهيم الخليل تشعرُ بأُلفةٍ وطمأنينة، وتبدو الجبالُ في السامرة والجليل أكثر وُدَّا وأُلفةً”، وكتب أيضا عن أريحا وحيفا.

خرجنا قبل شهر من أجواء عيد القيامة، فعادت إلى تفكيري روايتا كاتبنا المذكور”المسيح يصلب مرتين”، و” الإغواء الأخير للمسيح”، واحترت كيف أوّزع التفكير بين الجزيرة الفاتنة، مسقط رأسه، وبين الأماكن التي زارها في القدس، خاصة كنيسة القيامة.

بين يدي الآن، هنا في أستراليا، كتاب “بارباس” للكاتب السويدي لاغركفيست، تحدّث فيه عندما صُلب المسيح مكان بارباس، أطلقوا سراح الأخير وأصبح حرا، وهو المجرم الذي اعترف بأخطائه، وتساءل عن سبب إطلاق سراحه كثيرا، وعندما عاد ليبحث عن الجواب، وجد المسيح مصلوبا وينزف دمًا، رقد تحت قدميه وبدأ يصلّي لأول مرة. معلومات كثيرة تضج في دماغي، لكنني عدتُ لأستذكر الرحلة إلى كريت مجددا.

استقللتُ مركبتي المستأجرة وتنقّلتُ حيث تنقّل كاتبنا، وصلت مغارة زيوس بعد سفر ساعة كاملة على مرتفعات تتسع لمركبة واحدة يحدها كسر حاد وعميق، وخطير لوديان عميقة لا تنتهي، كان الطريق أشبه بمغامرة منسية، ثم انتقلت إلى جهة البحر، حيث وقف زوربا وأشار من البعيد، “ إنه البحر” إشارة فرحة النصر وتحدي الذات. أبحرت داخل مركب أخذني إلى شاطىء آخر، انهمكت العامة بأداء رقصة زوربا من الفلكلور اليوناني، انضممتُ إليهم ورقصت على أنغام الموسيقار ثيودوراكيس الرائعة.

انطلقتُ إلى منطقة أخرى، حيث الآثار التي تحدّث عنها كاتبنا والتي ترجمها من الأساطير الخالدة، تعددت التسميات، والأماكن، والقصص، والأسماء، ولم أعد أستوعب كل التاريخ الذي تمتعت به جزيرة كريت، هربت إلى المغارات الأكثر شهرة، وارتفعت بي المسافات بين الترجل واللهاث، ركب السياح الحمير، فساقتهم إلى أهدافهم في المناطق الجبلية الوعرة، بينما قطعان الأغنام تسرح سعيدة في السهول الغنية بالأعشاب يلفها الغبار.

من لم يصل إلى قمة المرتفعات في الجزيرة، حتى لو اقترب من السماء، لا يمكنه الوصول إلى أي هدف منشود، ومن لم يصل البحر، يبقى جاهلا، ومتقوقعا.. عدم المعرفة من قلة الترحال.

عن nagham

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جنوب غرب كوينزلاند   QUILPIE

  دينا سليم حنحن تعتبر ولاية كوينزلاند ثاني أكبر ولاية في القارة ...